كيف تحوّلت دمشق من "عاصمة العقائد" إلى "بوليصة تأمين" الشرق الأوسط الجديد؟
بسقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، لم تخسر طهران مجرّد حليف، بل فقدت "شريانها الأبهر". واليوم لا تبني حكومة "أحمد الشرع" في دمشق دولة ديمقراطية كما يريد الغرب، بل تعمل على هندسة "دولة عازلة" بامتياز. في عالم السياسة البارد، دمشق تدرك قاعدتها الذهبية الجديدة وهي: "لكي تضمن بقاءك في شرق أوسط يحترق، يجب عليك أن تبيع ماضيك الأيديولوجي" وتشتري "الحياد" بأي ثمن.
زلزال التفكيك وبيع الماضي لشراء المُستقبل
التاريخ لا يسير في خطوط مُستقيمة، وفي سوريا قرّر أن يأخذ منعطفًا حادًا. ولكي تفهم ما يجري اليوم، عليك أن تراقب كيف تدير حكومة "أحمد الشرع" مَرحلة ما بعد الزلزال. في خضم حرب طاحنة تكسر فيها واشنطن وتل أبيب عظام النفوذ الإيراني في المنطقة، اتخذت دمشق قرارًا استراتيجيًا بـ "الحياد". هذا الحياد ليس عبارة عن موقف، بل هو غريزة بقاء الدولة المسالمة أيضًا.
وفي يناير من بداية العام الحالي، وبضوء أخضر (أمريكي-تركي)، أنهت دمشق مشروع "الإدارة الذاتية" الكردية ودمجت قوات (SDF) في جيشها بشكلٍ أو بأخر.
لم تكن تلك مجرّد معركة، بل كانت عملية "استرداد للأصول السيادية" (حقول النفط والغاز في الشرق والقمح في الجزيرة)؛ لأنهُ ببساطة في عالم الاقتصاد والمال الدولي، لا تستطيع أي حكومة أن تفاوض الصناديق الدولية وهي لا تملك مفاتيح خزائنها. لقد أدركت النخبة السورية الجديدة أنّ البقاء يتطلب الخروج من معادلة حروب الوكالة، والتحوّل إلى منصة وظيفية تخدم استقرار جيرانها. وهذا ما يأخذنا إلى..
بورصة النفوذ: مَن يملك أسهم سوريا الجديدة؟
كُلّ لاعب دولي مؤثر على القرار العالمي يقف اليوم أمام الخريطة السورية ومعهُ آلة حاسبة، لا كتاب تاريخ ولا كتاب لحقوق الإنسان. فالمصالح القومية للدول هي من ترسم الحدود الجديدة وهذا ما فهمتهُ جيدًا الحكومة الحالية.
فإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من خلفها كداعم رئيسي يعملون على (هندسة الفراغ) ولكن كيف يتم ذلك؟ فواشنطن اليوم لا تدير أزمة عابرة، بل تؤسس نظام وترسم خريطة لـ 100 عام قادمة. فالخطة هي تحويل سوريا إلى حلقة وصل في بنية أمنية إقليمية تعزل إيران بشكلٍ كامل وتقطع الطريق على الصين التي تحاول بشكلٍ غير مباشر للوصول إلى حصص استثمارية من خلال بوابة المملكة العربية السعودية.
وهُنا أتى التخلي عن الأكراد الذين كانوا يتميّزون بفترة من الفترات بدعم في أروقة الكونغرس الأمريكي وكان التخلّي عنهم ثمنًا غير مدفوع وربما تدفعهُ الحكومات الأمريكية القادمة، ولكن بحكم المرحلة كان تركهم لمصيرهم عمل تكتيكي لإرضاء تركيا من قبل اللاعب الأمريكي.
أمّا إسرائيل، فُتعتبر انهيار الشريان الإيراني نصرًا استراتيجيًا وما أحداث السويداء واستغلال (الطائفة الدرزية الكريمة) إلا مؤقت، وهي تنتظر لحظة فارقة لتوقيع اتفاقية سلام (على غرار وادي عربة) لتتويج هذا النصر، مُستغلّة حاجة دمشق للتعافي والنظر للداخل والعمل على إصلاح ما أفسدَ لعقود.
بينما تُركيا والسعودية (المدير الإقليمي والمُمّول) فأنقرة هي الرابح الأكبر أمنيًا؛ لقد عملت على تأمين حدودها وضمنت حكومة براغماتية جارة. وفي المقابل تمارس الرياض والدوحة "دبلوماسية إعادة الإعمار"، ولاحقًا شاهدنا الإماراتي متجه إلى دمشق وبجعبتهِ استثمارات بالمليارات وهنا نقف قليلاً -ما حجم العلاقة الإسرائيلية الإماراتية؟ هل كانت الإمارات تتجه لسوريا لو حصلت على إشارة واحدة مُعاكسة من إسرائيل تخص أمن سوريا؟ قطعًا لا- فالخليج لا يوزع منح مجانية وهذا واقع الدول جميعها، بل يستخدم ثقلهُ المالي لتحويل سوريا إلى "دولة عازلة" (Buffer State) تابعة للمنظومة العربية السُنيّة، ومحصّنة ضد أي اختراق إيراني مُستقبلي.
وإذا ما نظرنا إلى الغرب روسيا وأوروبا فهم في (محاولات التكيّف) بينما تحاول أوروبا (وفرنسا تحديدًا) احتواء ارتدادات الزلزال السوري عبر استئناف التجارة وحماية الأقليات ومنع الهجرة، تقف موسكو كخاسر جيوسياسي أكبر. فزيارة زيلينسكي لدمشق في كانت صفعة أثبتت أنّ الكرملين بات ضيف ثقيل على المياه الدافئة ولم يعد مرحّبًا بهِ.
صندوق البريد السري: توماس برّاك و"اقتصاد الأمن"
هُنا يبرز الربط العميق بين السياسة والاقتصاد، ولعلَّ أفضل مشهد يجسد هذهِ الهندسة الجيواقتصادية، هو التحركات المكوكية التي يجريها "توماس برّاك" بشكل دائم، فالمبعوث الأمريكي الخاص لسوريا (والسفير في تركيا) ينتقّل بين دمشق والرياض بشكل مستمر وأخر زيارة لهُ منذُ أيام.
زيارة برّاك -وهو ملياردير ورجل أعمال قادم من عالم إدارة الديون المعقّدة- لم تكن دبلوماسية كلاسيكية، بل كانت أشبه بـ "فحص شامل قبل القرارات المصيرية" (Due Diligence) لأصل استثماري. فعندما صرّح بأخر زيارة بأنّ سوريا باتت "حقل تجارب لاصطفاف إقليمي جديد"، كان يرسل رسالة واضحة؛ سوريا أصبحت "البروفة" لعقيدة ترامب المحدّثة للشرق الأوسط. واشنطن تقدم "الرخصة السياسية ورفع العقوبات"، والرياض تقدم "رأس المال والصناديق"، ودمشق تقدم "البيئة الأمنية الخالية من الميليشيات". انضمام دمشق كعضو رقم 90 في التحالف الدولي ضد داعش هو الثمن العسكري لتدفق هذا الاستثمار؛ حيث يتحول الجيش السوري من أداة عقائدية إلى قوة "حرس حدود ومكافحة الإرهاب الداخلي" وتُدار بمقاييس أداء (KPIs) دولية بشكل مستمر.
ثالوث البقاء: بين جنّة الاستثمارات وجحيم الفوضى
التحوّل الهيكلي ليس مضمون بالكامل، وهو يضعنا أمام منصات احتمال مستقبلية تتقاطع فيها العسكرة مع الاقتصاد:
السيناريو الأول: التمديد المؤسساتي الممنهج (70%) تنجح وساطة السلام السورية-الإسرائيلية، وتتدفق استثمارات خليجية وغربية هائلة (مدفوعة بتفاهمات واشنطن-الرياض). يتم تثبيت سلطة مركزية صارمة ليكون نظام أمر واقع مستدام ومدعوم دوليًا.
السيناريو الثاني: المجلس العسكري المختلط (20%) تفشل الحكومة في تفكيك اقتصاد الحرب وإدارة التنوع الديني والثقافي. فتتصاعد التوترات (على غرار أحداث الساحل والسويداء)، مما يستدعي تدخل خارجي ربما يقتصر على تركي-أمريكي لفرض "مجلس إنقاذ وطني" ذو صبغة عسكرية يوقف العمل بالدستور لصالح "الأمن القومي".
السيناريو الثالث: الرد العكسي الإيراني (10%) المحاصرون لا يستسلمون بهدوء. ربما تُحرّك طهران خلاياها النائمة لاغتيال شخصيات مركزية داخل بنية النظام السوري وتخريب قوافل التجارة، بهدف ضرب التقارب الخليجي-السوري-الإسرائيلي، لإعادة إدخال البلاد في نفق حرب العصابات.
وهم "الترانزيت" وولادة النظام الهجين للشرط الأوسط
يُعلّمنا التاريخ أن الفترات "الانتقالية" في بيئات الشرق الأوسط المشتعلة نادرًا ما تكون محطات عبور نحو الديمقراطيات المثالية (الغربية)؛ إنها في الغالب واجهات لبناء أنظمة جديدة أكثر براغماتية.
فعواصم القرار العالمي تعاني اليوم من "فوبيا الفراغ". مع العلم لا أحد منهم يريد انتخابات مبكرة في دمشق قد تعيد إنتاج الفوضى. الرغبة الحقيقية المضمرة هي الإبقاء على حكومة الحالية لفترة تتجاوز السنوات الخمس المعلنة.
سوريا التي تُهندس اليوم من قبل الأمريكان لن تكون قلعة للمقاومة والممانعة، ولن تكون واحة ديمقراطية جيفرسونية. ستكون كيان هجين، يعمل كدولة عازلة وظيفية، تحميها تركيا شمالاً، ويمولها الخليج جنوبًا، وتدير واشنطن نظام تشغيلها عن بُعد. لقد خرجت دمشق من معادلة حروب الشرق الأوسط للأبد، لا لأنها اعتنقت السلام فجأة، بل لأن الجغرافيا عندما تُنهك، تبيع تاريخها وتتخلى عن أوهامها، فقط لتجد لنفسها مكانًا هادئًا على خريطة المستقبل.
ففي ضوء هذا التحول المعمّد بالمال الخليجي والضمانات الأمريكية، هل تعتقد أن دمشق قادرة هيكليًا على تفكيك اقتصاد الحرب الداخلي لديها ليتماشى مع معايير الشفافية المطلوبة من واشنطن والرياض، أم أنّها ستواجه مقاومة من أمراء الحرب الجدد؟
